الاثنين، 3 نوفمبر 2014

تعريف التعقيد المحدد.

 ويليام دومبسكي     

لقد ظهر مصطلح التعقيد المحدد منذ ما يزيد عن ثلاثين سنة. و حسب علمي فإن ليسلي أوركل (Leslie Orgel) المعروف بأبحاثه بخصوص أصل الحياة كان أول من استعمله. و قد ظهر هذا التعبير في كتابه "أصل الحياة" (The origins of Life) الذي نشر سنة 1973، و قد كتب فيه ما يلي: "الكائنات الحية تمتاز بتعقيدها المحدد. فالزجاج و الكرانيت لا يمكن تصنيفهما على أنهما من بين الأحياء بسبب خلوهما من التعقيد و كذلك الحال بالنسبة للخلائط الاعتباطية للبوليمرات". و حديثا، فقد أشار بول دايفز (Paul Davies) في كتابه "المعجزة الخامسة" (The fifthe Miracle) الذي تم نشره سنة 1999 إلى التعقيد المحدد باعتباره المفتاح الذي يمكنه حل مشكلة أصل الحياة:

"إن الكائنات الحية غامضة ليس بسبب تعقيدها و لكن بسبب تعقيدها المحدد. و لكي نفهم جيدا كيف ظهرت الحياة من الجماد فنحن بحاجة لأن نعرف ليس فقط كيف استطاعت المعلومات البيولوجية أن تتمركز، و لكن أيضا كيف أن المعلومة المفيدة بيولوجيا استطاعت أن تصير محددة".

إلا أنه لا أوركل و لا دايفز قدموا لنا حسابا تحليليا للتعقيد المحدد. و لقد قدمت ذلك الحساب في استنتاج التصميم (The design Inference) (1998) و قد أتممته في (No free lunch) (2002). و هنا سأحاول بكل بساطة طرح الموضوع بشكل سطحي. فكل من أوركل و دايفز استعملا مصطلح التعقيد المحدد بشكل غامض. ففي بحثي الشخصي قمت بصياغته على شكل معيار إحصائي من أجل تحديد آثار الذكاء. فالتعقيد المحدد، كما سأعرضه هنا، يحوي خمسة مكونات أساسية:

§                        نسخة احتمالية للتعقيد مطابقة للأحداث.
§                        نماذج مستقلة بشكل مشروط.
§                        موارد احتمالية و التي تكون في شكلين: استنساخية و تحديدية.
§                        نسخة تخصيصية للتعقيد مطابقة للنماذج.
§                        حد احتمالي كوني.

فلنلق نظرة سريعة:

التعقيد الاحتمالي: يمكن اعتبار الاحتمال كشكل من أشكال التعقيد. و لفهم ذلك فلنأخذ قفلا ذو توافقية معينة (Combination). فكلما كان عدد التوافقيات الممكنة للقفل أكبر إلا و صارت الآلية أكثر تعقيدا و بالتالي فإن احتمالية فتح القفل عن طريق الحظ ستكون ضعيفة جدا. على سبيل المثال، لدينا قفل ذو توافقية و قرصه المدرج مرقم من الصفر إلى 39 و الذي يجب تدويره في ثلاث اتجاهات متناوبة و هو ما ينتج عنها 64000 توافقية محتملة (أي 40*40*40). هذا الرقم يمنحنا قياسا للتعقيد في القفل ذو التوافقية و هو ما يطابق 1 في 64000 احتمال لكي يمكننا فتح القفل عن طريق الحظ (من دون أن يكون لنا أي علم مسبق بالتوافقية الصحيحة). فأي قفل ذو توافقية أكثر تعقيد و قرصه المدرج مرقم من الصفر إلى 99 و الذي يجب تدويره في خمس اتجاهات متناوبة سينتج عنه10.000.000.000 توافقية محتملة ( أي 100*100*100*100*100) و بالتالي فإن احتمال فتح هذا القفل عن طريق الحظ هو 1 من بين 10.000.000.000 احتمال. و هكذا فإن التعقيد و الاحتمال يتغيران بشكل عكسي: كلما كان التعقيد أكبر إلا وكان الاحتمال أضعف. فالتعقيد باعتباره تعقيدا محددا فهو يقصد اللا احتمالية.

نماذج مستقلة بشكل مشروط. فالنماذج التي عند وجود التعقيد أو اللا احتمالية تستلزم ذكاء تصميمي يجب أن تكون مستقلة عن الحدث الذي يتواجد تصميمه قيد البحث. و إنه من المهم أن لا تكون النماذج مفروضة بشكل اصطناعي على الأحداث بعد الفعل. مثلا، إذا قام نبال بإطلاق سهامه على حائط ثم قمنا بعدها برسم الدوائر البيضاء حول تلك السهام بحيث تبقى مثبتة داخل نقطة الهدف الرئيسية، في هذه الحالة فإننا نفرض نموذجا معينا بعد الفعل، و أي نموذج كهذا لن يكون مستقلا عن مسار السهم. من جانب آخر، إذا ما كانت الأهداف موضوعة من قبل ("معينة") ثم أطلق النبال سهامه بدقة حينذاك فإننا نعلم أنها لم تكن ضربة حظ و إنما تصميم (مع الأخذ في الاعتبار بكل تأكيد أن التصويب في نقطة الهدف المحددة يعتبر أمرا غير محتملا بشكل كافي). أما طريقة تحديد استقلالية النماذج فتكون عبر تصور احتمالي للاستقلال المشروط. فأي نموذج هو مستقل بشكل مشروط عن الحدث إذا ما أضفنا معارفنا عن النموذج إلى فرضية الحظ فاحتمالية الحدث لا تتغير تحت هذه الفرضية. فالمحدد في التعقيد المحدد يقصد به تلك النماذج المستقلة بشكل مشروط. فهذه تعتبر هي التحديدات.





الموارد الاحتمالية (Probabilistic resources): يقصد بالموارد الاحتمالية عدد الفرص التي يمكن أن يقع فيها الحدث أو أن يكون محددا. فأي حدث يبدو أنه غير محتمل يمكن أن يتحول إلى حدث محتمل بشكل مطلق عند تحديد الموارد الاحتمالية الكافية. من جانب آخر، يمكن لنفس الحدث أن يبقى غير محتمل حتى بعد تحديد جميع الموارد الاحتمالية الضرورية. فكر في أن تحاول توزيع رويال فلاش على نفسك (في لعبة البوكر تعني أن تحصل على 5 ورقات من نفس اللون و نفس الشكل كما يلي:1-10-J  - Q K). فحسب كمية الأيادي التي يمكنك توزيعها فإن وقوع ذلك، وهو أمر غير محتمل على الإطلاق، يمكن أن يستمر غير محتمل أو أن يصير محتملا جدا. إذا ما كان بإمكانك أن توزع على نفسك فقط بضع عشرات من الأيادي، فإنك في أغلب الاحتمالات سوف لن تحصل على رويال فلاش. و لكن إذا ما كان بإمكانك توزيع ملايين من الأيدي حينها سيكون من المحتمل أن تحصل عليه.

الموارد الاحتمالية تأتي في شقين: استنساخية (Replicational) و تحديدية (Specificational). فالاستنساخية تشير إلى عدد فرص وقوع حدث معين بينما نقصد بالتحديدية عدد الفرص الممكنة لتحديد الحدث. و لفهم أساس كلا النوعين من الموارد الاحتمالية، تخيل سور كبير يحوي N من الدوائر البيضاء المرسومة ذات نفس القياس و غير موضوعة الواحدة فوق الأخرى، و M عدد النبال في جعبتك. نقول أن احتمالية إطلاق النبال عن طريق الحظ اتجاه الدوائر البيضاء، المأخوذة بشكل منفرد، و بنبل واحد هي p. إذن فإن احتمالية النجاح عبر الحظ في إصابة أي من N الدوائر البيضاء، المأخوذة بشكل جماعي، و بنبل واحد تبقى محصورة في Np (بمعنى، N و p مضاعفان). و احتمال إصابة أي من N الدوائر البيضاء عن طريق الحظ عبر  Mمن نباله على الأقل تبقى محدودة ب MNp (أي M و N و p مضاعفون). في هذه الحالة، فعدد الموارد الاستنساخية يقابل M (عدد النبال الموجودة في جعبتك)، و العدد الإجمالي للموارد الاحتمالية يطابق نتيجة MN. فمن أجل حدث محدد للاحتمال p يمكن إيعازه بشكل معقول إلى الحظ، فالعدد MNp لا يمكن أن يكون صغيرا.


التعقيد التحديدي (Specificational complexity): باعتبارهم نماذج، فالتحديدات تظهر عدة مستويات من التعقيد. فدرجة التعقيد لتحديد ما ستحدد كم من الموارد التحديدية يجب أن تكون معملة عندما يقوم مؤشر مستوى اللااحتمالية الضروري بإبعاد عامل الحظ (انظر ما أشرنا إليه من قبل). كلما كان النموذج معقد أكثر إلا و توجب تحديد موارد تحديدية أكثر. أما التفاصيل فهي تقنية و تتطلب تعميم ما يسميه الرياضيون ب تعقيد كولموجروف. مع ذلك، فإن الحدس الأساسي واضح. فالمستوى الضعيف للتعقيد التحديدي يعتبر أمرا مهما حينما نقوم بكشف التصميم لأنه يضمن أن الحدث الذي نحن بصدد دراسة تصميمه لم يتم وصفه بعد الفعل ثم من بعدها أخذ شكله المتأنق، بل تم وصفه قبل الفعل.

و بهدف فهم على أي أساس يقوم هذا، فلنعتبر المتسلسلتين التاليتين الناتجتين عن رمي قطعة نقدية عن طريق الحظ عشر مرات متتابعة: صصصصصصصصصص و صصكصكككصكص. أي متسلسلة من المتسلسلتين يمكن إيعازها للحظ؟ فكلتاهما تقدما نفس الاحتمالية: تقريبا 1 في  1000. و مع ذلك فإن النموذج الذي يحدد المتسلسلة الأولى يعتبر بسيطا أكثر من الثانية. بالنسبة للأولى فالنموذج يمكن تحديده بكل بساطة عبر البيان التالي: "عشرة صور في النوبة". أما من جانب آخر، فتحديد نموذج المتسلسلة الثانية يتطلب بيانا أطول نسبيا: "صورتين ثم كتابة ثم صورة ثم كتابة ثلاث مرات ثم صورة ثم كتابة ثم صورة". أظن أن التعقيد التحديدي (الذي لا يجب خلطه مع التعقيد المحدد) مثل أدنى أطول وصف.

و لكي يظهر شيء ما تعقيدا محددا فيجب أن يملك تعقيد تحديدي منخفض (كالمتسلسلة صصصصصصصصصص، و التي تتشكل من عشرة صور في النوبة الواحدة) و تعقيد احتمالي مرتفع (بمعنى أن تكون الاحتمالية ضعيفة). إنه التوافق بين التعقيد التحديدي المنخفض (نموذج يسهل وصفه وفق ترتيب قصير نسبيا) و بين التعقيد الاحتمالي المرتفع (شيء غير محتمل بشكل كبير) و هو ما يجعل من التعقيد المحدد محدد فعال للذكاء. لكن أهمية التعقيد التحديدي لا تنتهي هنا.

فبالإضافة إلى المكانة المحورية التي يحظى بها في استنتاج التصميم، فالتعقيد التحديدي كان أيضا مدرجا ضمنيا في الجزء الأكبر من الأدبيات المتعلقة بالتنظيم الذاتي، و هو المجال الذي يدرس كيف أن النظم المعقدة تظهر انطلاقا من بنية و دينامية عناصره. بما أن التعقيد المحدد يوازن بين التعقيد التحديدي المنخفض و التعقيد الاحتمالي المرتفع، فإن التعقيد المحدد يتموضع بينهما، أي بين النظام و الفوضى و التي يشار إليها عامة ب "حد الفوضى". فالمشكل مع الترتيب الخالص (التعقيد التحديدي المنخفض) هو أنه قابل للتنبؤ و أقل أهمية. و نعطي كمثال هنا الزجاج الذي يتبع نفس النموذج البسيط مرات متتالية. أما المشكل مع الفوضى الخالصة (تعقيد احتمالي مرتفع) هو أنها مبعثرة و تخلو من الأهمية (ليس هناك أي نموذج ذو أهمية يمكن أن ينشأ من الفوضى الخالصة. و كمثال، الأنقاض المبعثرة بسبب إعصار أو انهيار ثلجي). بل إنه بالضبط في حدود الفوضى حيث تحصل الأشياء المهمة و هذا هو المكان الذي يتواجد فيه التعقيد المحدد.

  
حد احتمالي كوني: في الكون الملاحظ تعتبر الموارد الاحتمالية محدودة. فالعلماء يقدرون أن داخل الكون الفيزيائي المعروف يوجد حوالي 1080 من الجسيمات الأولية. بالإضافة إلى أن خصائص المادة كالتحول من حالة فيزيائية إلى أخرى لا يمكن أن يحدث في مدى أكثر سرعة ب 1045 مرة في الثانية. و هذا التردد يتطابق مع زمن بلانك الذي يشكل الوحدة الفيزيائية الأقصر للوقت. و أخيرا، فعمر الكون نفسه يناهز تقريبا 1025 ثانية (على افتراض أن عمر الكون بين 10 و 20 مليار سنة). و بالتالي، إذا ما افترضنا أن أي تحديد لحدث داخل الكون الفيزيائي المعروف يتطلب على الأقل جسيم أولي و أن تلك التحديدات لا يمكنها أن تتولد بسرعة أطول من زمن بلانك، إذن فإن التحديدات الكونية تستلزم أن يكون العدد الإجمالي للأحداث المحددة خلال التاريخ الكوني لا تتجاوز 1080*1045*1025=10150. و كنتيجة فإن أي حدث محدد ذو احتمال أقل من 1 في 10150 سيكون غير محتمل حتى ولو تم تعميل جميع الموارد الاحتمالية الممكنة للكون، و كنتيجة فإن أي حدث محدد ذو احتمال أقل من 1 في 10150 يمثل الحد الاحتمالي الكوني. (للمزيد من التفاصيل بخصوص الحد الاحتمالي الكوني، انظر كتابي "The Design Inference"). فالحد الاحتمالي الكوني لا يمكن اختراقه أمام أي من الموارد الاحتمالية الممكنة و التي يمكنها أن تقف ضده. و بكل تأكيد فإن كل الموارد الاحتمالية للكون الفيزيائي المعروف لا يمكنها أن تتآمر فيما بينها حتى تجعل من حدث ما، ذو احتمالية أقل من الحد الاحتمالي الكوني، شيءا محتملا.

فالحد الاحتمالي الكوني 1 في 10150 يعتبر الأكثر تحفظا داخل الأدبيات العلمية. فعالم الرياضيات الفرنسي إيميل بورل (Emile Borel) اقترح أن يكون 1 في 1050 كحد احتمالي كوني و الذي تحته يمكن استبعاد الحظ بشكل نهائي. (ذلك أن أي حدث محدد غير محتمل على هذا المنوال لا يمكن إيعازه إلى الحظ). فعلماء التشفير يحددون أمن الأنظمة التشفيرية باعتبار أي هجوم قد يستعمل جميع الموارد الاحتمالية المتوفرة في الكون بهدف فك رموز الأنظمة التشفيرية عن طريق الحظ. و في تقريره حول دور علم التشفير في تأمين المعلومة فقد حدد مجلس الأبحاث الوطنية (National Research council) الحد الاحتمالي الكوني في 1 في 1094 بهدف ضمان سلامة الأنظمة التشفيرية أمام أي هجوم قائم على الحظ. (انظر كتاب: Cryptography´s Role in Securing the Information Society, Kenneth Dam,  Herbert Lin). فالعالم في المعلوميات سيث لويد (Seth Lloyd) من جانبه حدد 10120 كأقصى عدد للعمليات الثنائية (bit-operations) التي بإمكان الكون أن يقوم بها منذ نشأته. (Physical Review، 10 يونيو 2002)، و هذا العدد يطابق الحد الاحتمالي الكوني ل 1 في 10120. و لقد توصل ستوارت كوفمن (Stuart Kauffman) في كتابه الأخير "Investigations" (2002) إلى أرقام مماثلة.

فلكي نقول أن شيءا ما يملك تعقيدا محددا فيجب أن يتطابق مع نموذج مستقل بشكل مشروط (بمعنى التحديد Specification) ذو تعقيد تحديدي منخفض حيث أن الحدث الذي يتطابق مع هذا النموذج يقدم احتمالا للحدوث أصغر من الحد الاحتمالي الكوني، و بالتالي فهو يظهر تعقيدا احتماليا مرتفعا. فالتعقيد المحدد يستعمل بشكل كبير كمعيار لتحديد التصميم. على سبيل المثال، عندما يقوم الباحثون عن الذكاء خارج الأرض المعروف اختصارا ب "سيتي" (SETI) بالبحث عن ذكاء منبثق من الفضاء الخارجي فإنهم يبحثون حينها عن التعقيد المحدد. (كما هو الحال في فيلم Contact حيث تمكنوا من تحديد نموذج ذكي في إشارة ملتقطة من الفضاء الخارجي حيث يلاحظ تسلسل مطول من الأرقام. فذلك التسلسل يظهر التعقيد المحدد).


التعريف بالكاتب:

ويليام دومبسكي (William Dembeski) حاصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة في جامعة إيليون في شيكاغو و على شهادة الدكتوراه في الرياضيات بجامعة شيكاغو. يعتبر واحدا من أهم منظري التصميم الذكي و له عدة مؤلفات في هذا المجال. هو صاحب أول كتاب للتصميم الذكي تم نشره من طرف دار نشر جامعية معترف بها:
 The Design Inference: Elimitating Chance Through Small Probabilities. (Cambridge University Press.1998)
     

تمت الترجمة من:    
                               
Dembski, W. (2004) The Design Revolution: Answering The Toughest Questions About Intelligent Design, IVP Books, p. 81-86.

لتحميل كتب المؤلف:
http://bookzz.org/g/William%20A.%20Dembski

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق